المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.

 


 
العودة   نفساني > الملتقيات العامة > ملتقى الفضفضة
 

ملتقى الفضفضة مساحة ليقول العضو كل ما يجول في خاطره ، فضفضات نفس .

غرام الفستق الحلبي

بدأ عشقي للفستق الحلبي بعمر ١٧ سنة تقريباً .. كنت قلق جداً ومنهك مع شهية معدومة.. دماغي يعمل في كل الاتجاهات .. ينتقل من مسار إلى آخر بلا رحمة.. كيف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 15-05-2026, 11:28 AM   #1
ستوكا
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية ستوكا
ستوكا غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 40364
 تاريخ التسجيل :  09 2012
 أخر زيارة : 24-05-2026 (09:33 AM)
 المشاركات : 802 [ + ]
 التقييم :  34
 الدولهـ
Syria
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Black
غرام الفستق الحلبي



بدأ عشقي للفستق الحلبي بعمر ١٧ سنة تقريباً .. كنت قلق جداً ومنهك مع شهية معدومة.. دماغي يعمل في كل الاتجاهات .. ينتقل من مسار إلى آخر بلا رحمة.. كيف سأنجح في الثانوية.. كيف سألتحق بجحيم وذل الخدمة العسكرية.. كيف سأتزوج.. كيف أملك شقة.. سيارة.. ماذا يحصل الآن في هذه اللحظة على تلك النجمة التي تلمع في السماء.. هل يوجد كائنات تشبهنا في كواكب أخرى.
وفي ذلك اليوم عاد والدي من عمله ومعه سلة كبيرة فيها عشرة كيلو على الأقل من الفستق الحلبي الطازج.. الذي تم قطفه من شجره قبل يوم واحد فقط.. أحضرها زميل له في العمل من قريته في الشمال.. رأيتها في المطبخ على الطاولة.. ولأني كنت بلا شهية على الإطلاق وزاهد في كل شيء.. لم أهتم بها وما عرفت أصلاً ما هي.. أول مرة أرى هذا النوع من الثمار.
لكن الفضول واقتحام المجهول كان أقوى من أي شيء آخر.. وقبل أن ألتقط حبة منها توقعت من شكل الثمرة أنها طرية وتؤكل مباشرة لكن بمجرد لمسها عرفت أنها صلبة و قوية لذلك قررت تركها.. لكن قشرتها الرقيقة جداً تفتتت وذابت بين أصابعي بسهولة لتظهر حبة الفستق تلك بقشرتها الصلبة التي نعرفها ونحصل عليها من المحامص.. لم أكن أعرف أن هذا هو شكلها الأول ولم يخطر لي أنها تنبت و تقطف من الأشجار.

وعندما نزعت قشرتها الصلبة.. أخرجت البذرة المختبئة داخل هذا الغلاف القاسي.. وقبل أن أضعها في كفي صعد منها نفس دافيء ..خام وحي .. شيء منها هي فقط.. من قشرتها وملمسها الأول.. بلا عطور مصطنعة.. طبيعياً كما أحب دائماً أن يكون..
وضعتها في كفي.. بدت صغيرة ضعيفة وحيدة مجردة من كل ما كان يحميها.. لم تعد تملك قشرتها ولا صلابتها ولا مخبأها القديم.. كانت مستسلمة تماماً مسلمة أمرها لمصيرها.
وما أن وضعتها في فمي حتى شعرت بطعمها القوي.. كأن شيئاً خطفني من الوعي.. لم أبق في مكاني .. فقدت وجودي كله.. كأنني خرجت من هذه الحياة قليلاً ودخلت في حياة ثانية.. حياة لا يوجد فيها هلع الاختبارات ولا خدمة عسكرية ولا خوف من المستقبل.. لا شقة ولا سيارة ولا أسئلة عن الزواج ولا نجوم بعيدة تلمع فوق رأسي .. فقط دفء غريب.. أنساني كل ما كان يطحنني..
وبعد قليل وكأني رجعت من مكان بعيد .. أخذت حبة ثانية.. وثالثة.. وكل حبة كانت تؤكد لي أن الأمر لم يكن مصادفة.
وبعد كم حبة شفت الموضوع طويل فأخذت صحن كبير وملأته بالفستق وذهبت به إلى غرفتي.
لم يمضي وقت طويل حتى شعرت بفرح وقوة ونشاط وارتفاع كبير في المزاج لم أجربه من قبل.. كنت أتمناه وأنتظره وأحلم به فقط.
وهنا تحول إعجابي بهذه الثمرة إلى غرام.. أخيراً وجدت شيء يلامس أوجاعي.
رحت المطبخ مجدداً.. وأفرغت نصف السلة في كيس وأخذته واحتفظت به في غرفتي.. ليصبح شريكي في عزلتي وليالي الأرق التي تحرق روحي.
انكشف الأمر مبكراً.. النقص في السلة فاضح لا يحتاج إلى تحقيق.. نصفها تقريباً اختفى كأن أحداً قطفها مرة ثانية من السلة : من أخذ الفستق؟ من أكل كل هذا؟
ومن تلك اللحظة لم يعد الفستق الحلبي مجرد شيء أحببته بل صار مرتبط فيني لسنوات طويلة.. صار جزء مني.. باب للمزح أحياناً وللسخرية أحياناً أخرى.
عند أبي وأمي كان الأمر فيه محبة.. كانت أمي تحتار بأمري..طبخات كثيرة لا آكلها أقابلها بنفور .. حتى صارت تتقبل مزاجي وذات مرة ولم تعجبني الطبخة على السفرة نظرت لي وقالت ساخرة بحنان:
بكرا اطبخلك فستق حلبي.
أبي طريقته هادئة.. في جلسة عائلية ومن دون مناسبة :
إذا باقي عندك فستق جيب لنا شوي.. أطعمنا.
ضحك الجميع ..كان والدي يلمس شيء في داخلي ولا يفضحه.. في الأسبوع التالي عاد من عمله ومعه سلة جديدة من الفستق الطازج فعرفت فوراً أنه لم ينتظر المصادفة هذه المرة بل طلبها هو من زميله.. لم يقل شيء ولم أقل شيء.. وضع السلة في المطبخ كمن يضع هدية يعرف صاحبها أنها له ولو لم يكتب عليها اسمه.
لكن الأمر لم يكن دائماً بهذا اللطف.. بعض الإخوة يعرفون كيف يحولون نقطة ضعفك إلى سلاح صغير.. كلمة في وقت غير مناسب ضحكة مبالغ فيها تذكير مقصود أمام الآخرين كأن حبك لشيء ما تهمة يجب أن تدافع عنها.
أما الأعمام والأخوال والأقارب الذين يسبحون في حلقتنا العائلية الواسعة فكانوا يضيفون نكهتهم الخاصة من السخرية القاسية:
ولا يهمك عم.. موسم الفستق قريب.
بدي أقطع كل أشجارنا بالقرية وأزرعلك مكانها فستق.
خلينا نخطبلك بنت من حلب..
كنت أضحك أحياناً وأسكت غالباً.. ما بعرف وما فهمت لماذا حين يحب الإنسان شيء يشعر الآخرين بحاجة غريبة إلى محاربته فيه.. لماذا لا يتركون له زاويته الصغيرة؟ لماذا يتحول الغرام البسيط إلى مادة للوخز والنكش؟ كأن الحب حتى لو كان حب حبة فستق يستفز من حولك .. يمكن لأنه يكشف أنك وجدت شيء يخصك وحدك.. شيء لا يملكون مفاتيحه.
ورغم حساسيتي الشديدة لم يؤذني ذلك كما كان يؤذيني في أمور أخرى.. هذه المرة لم يكن المهم ما يقولونه.. المهم إني وجدت شيء يلامس أوجاعي.. شيء يجاورني في ليالي الأرق التي تفتت روحي ..شيء يبعد الحزن والكآبة عني.. كنت أجلس في غرفتي مع خوف وهم ثقيل ثم أمد يدي إلى ذلك الكيس كأني أمدها إلى رفيق صامت.. حبة بعد حبة كان القلق يبتعد قليلاً.. لا يختفي لكنه يتراجع خطوة و يفسح مكان صغير للدفء ويجعلني أشعر أني قريب من شيء كنت أبحث عنه دائماً ولا أعرف ماهو.
وصرت أحب كل شيء يقترب منه الفستق.. الكنافة و البقلاوة و الآيس كريم كلها كانت تطيب حين تحمل ذلك الأثر.. المبرومة اكثرهم احتضاناً للفستق ..خيوطها الذهبية ملفوفة حول قلب أخضر لكنها لا تكشف كل شيء من الخارج.. تحتاج أن تقترب أن تكسرها قليلاً حتى تصل إلى القلب الأخضر الذي يجعلها تستحق كل هذا الغرام.
كنت أشعر أن الفستق لا يزين الحلوى فقط بل يغيرها.. يجعلها أرق أدفأ وأقرب إلى النفس.. الحلوى بدونه تبقى حلوى.. لكنها به تصبح شيء أحبه.. يدخل فيها ويترك عليها شيء منه.. يجعلها أطيب وأغنى كأنها صارت تحمل قلب صغير في داخلها..
وهكذا صار الفستق يعلمني أن الغرام لا يبقى في الشيء نفسه فقط.. ينتقل إلى ما حوله.. يجر معه أشياءه الصغيرة .. تفاصيله ..رائحته الطبيعية.. أثره.. ما يلمسه وما يختبئ فيه.. و أشياء كثيرة لم تكن تعني لي شيء من قبل.

لكن الناس مجدداً لا يتركونك حتى في الشيء الذي تحبه.. لا يكفيهم أن يهزؤا به .. بعد قليل يبدؤون بالتدخل فيه.. يقترحون عليك كيف تحبه ومتى تحبه وبأي شكل.. بل التخلي عنه ومحاولة حب شيء اخر .

في المشاوير الطويلة برفقة العائلة الى الرياض ومكة يرافقني دائما كيس فستق في السيارة..أضعه بجانبي وأنا أقود.. أقشر الفستق بيد واحدة بمساعدة أسناني و لساني.. كانت القشرة أحياناً تجرح شفتي أو تخدش طرف لساني فأضغط بلساني على مكان الجرح .. لم يكن الجرح يزعجني.. بالعكس كان جزء من عناد الفستق من صلابته التي أحبها أصلاً.
ومرة انتبهت زوجتي لحركة لساني وأنا أتحسس مكان الجرح.. التفتت لي بنظرة ضيق.. قالت بنبرة جافة وقوية:
طيب خلاص.. غيره.. خذ مكسرات ما لها قشور.
خذ لوز.. أو كاجو.. أو حتى بذر قرع.. تقشيره أسهل وما يجرح.
وهنا انفجرت.. فهي لم تقترح مكسرات أخرى فقط بل أهانت شيء يخصني في العمق.. لأبدأ هجوم أقسى :
اللوز؟ اللوز بارد.. ناشف.. جامد.. متخشب .. ومرتب زيادة عن اللزوم يسوي لي اكتئاب.
والكاجو؟ الكاجو ناعم بطريقة مستفزة.. ما له شخصية.. لا يبدو كنبات كأنه مصنوع ومحضر من مواد غير حية. وحلو زيادة وسهل زيادة وتافه.
وبذر القرع؟ للتسلية فقط.. شيء تمسكه يدك لما ما يكون عندك شيء حقيقي تحبه.. سهل خفيف ما يتعبك وما يترك فيك شيء.
سكتت قليلاً ولم ترد .. ثم قالت بحزن :
طيب أنا أقشر لك وأعطيك.
وكأنها عرضت علي أن تأخذ مني الفستق نفسه لا قشرته فقط..فرفضت.
كيف أقول لها أن الفستق إذا وصلني جاهز يفقد نصف معناه.. وأن القشرة جزء منه وأن التعب معه جزء من حبه وأن الحبة التي لا أقاتل قليلاً حتى أصل إليها لا تفرحني بالطريقة نفسها.
وهكذا عم الصمت في السيارة.. صمت لأكثر من مئة كيلو متر .. لا زعل كامل ولا رضا كامل.. فقط طريق ممتد وصوت المكيف وكيس فستق يتحرك كلما انحرفت السيارة قليلاً.
وضعت السماعات في أذني وشغلت بيتهوفن.. كنت ألجأ إليه تحديداً وقت الزعل.. يمكن لأن موسيقاه لا تربت على كتفك بل تهزك من الداخل.. تجعلك ترى نفسك وأنت لا تريد أن تراها.
ومع الموسيقى تعود إلى رأسي مقاطع من أفلام عظيمة حفرت في عقلي و روحي.. مشاهد قديمة لا أعرف لماذا بقيت معي.. رجل يندم بعد فوات الأوان.. وجه صامت لا يدافع عن نفسه.. يد تمتد ولا تجد يد تمسكها.. أشياء بسيطة لكنها علمتني كثيراً وهزت روحي بعمق لا أنساه.
في واحدة من تلك اللحظات وأنا أقود بصمت ادركت انني كنت قاسي مع إنسانة طيبة وقفت معي في أيام عصيبة ومحن كثيرة وساندتني بكل ما تملك.. وربما كانت الوحيدة التي أعرف يقيناً أنها تحبني كثيراً.. إلى درجة إني لو احتجت يوماً إلى عضو من جسدها لما ترددت في منحه لي.
اردت اصلاح الأمر لكن شيء ما يتعطل في داخلي.. خلل صغير .. عجز كامل عن قول جملة بسيطة في وقتها ..
وهكذا وقفت عند كافيه بمحطة على الطريق.. طلبت قهوة تركية لي وكابتشينو لها.. وكنت أعرف أنها تحبه..
أعطيتها الكوب.. أخذته بفرح صامت وبعد كم دقيقة عاد الكلام كأن شيء لم يحدث.

بقلمي
باسم ١٥ / ٥ / ٢٠٢٦
المصدر: نفساني



 

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:56 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.
المواضيع المكتوبة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع رسميا